RIAD AL-UNSرياض الأنس
رياض الأنس · العمارة

الصحن

صحنٌ داخليّ، وفسقيّة، وانعكاسُ السماء — قلبُ الدار الصامت.

«ومن البستان كان يُدخَل إلى الصحن الداخلي الصغير من بابٍ واطئٍ جدّاً، ومن دهليزٍ لا يتّسع إلا لمرور شخصٍ واحد. وكانت تقوم حول الصحن كلّه اثنتا عشرة دعامةً بيضاء، يصل بينها مثلها من الأقواس الحدوية، تحمل عند علوّ الطابق الأوّل سقيفةً معقودة ذات درابزينٍ من خشب. وفي وسط الصحن كانت فسقيّة […].»

إدموندو دي أميتشيس، Marocco، Treves، ميلانو 1876، فصل «فاس». ترجمتنا عن الإيطالية.

صحنٌ داخليّ مغلقٌ على الخارج، مفتوحٌ على السماء — هو المركز الصامت الذي تنتظم حوله الدار كلّها. الغرفُ والمشاغلُ والمواضعُ المشتركة تنفتح عليه، لا على الطريق أبداً.

وهو جهازٌ — مناخيّ، واجتماعيّ، وروحيّ — لا بستانٌ للزينة وحدها. يعدّل الهواء، ويجمع من غير أن يكشف، وسماؤه المفتوحة تُذكّر من يرفع بصره بحضورٍ فوق الدار.

عمارةٌ أقدم من الإسلام

والمبدأ أقدم من الصحن نفسه. فمنذ الألف الرابع قبل الميلاد، في صحاري المتوسّط، تولد الواحة من قرار جماعةٍ أن تُقيم بموضعٍ وأن تُثمر ماءه القليل — قنواتٌ تحت الأرض، وشجرٌ يُغرَس طبقاتٍ ليصنع مناخاً صغيراً. واستخرجت اليونان النتيجة نفسها على قدر الدار: ففي أولنثوس تنفتح البيوت من قبلُ على صحنٍ، هو الـaulé، موجَّهٍ ليأخذ شمس الشتاء الواطئة ويستظلّ في الصيف. وليس شيءٌ من ذلك ترفاً؛ إنما هو فطنةٌ مناخية في متناول الجميع، وهي التي تحكم إلى اليوم أصغرَ صحنٍ في الرياض: ماءٌ منظَّم، وظلٌّ محسوب، ولا شيء يُهدَر.

الدار المنتظمة حول صحنٍ مغلق ليست اختراعاً عربياً، إذ ترجع إلى الشرق الأدنى القديم، حيث كانت، قبل الإسلام بألوف السنين، الصورةَ المرجعية للسكن. وورثتها روما على طريقتها — الـdomus الرومانية بـatriumها، صحنٍ مكشوفٍ يجمع ماء المطر تحت نظر السماء: وهو الجهاز نفسه الذي سيصير، بنقلٍ مباشر، الصحنَ الأندلسيّ ثم الصحنَ المغربيّ الذي يواصله الرياض اليوم. وألّف منه العالمُ العربيّ الأندلسيّ التركيبَ الخاصّ بالرياض: الصحن المتوسّطيّ ملتقياً بالبستان الإسلاميّ المغلق.

المنطق نفسه، حتى صقلّية

وهذه الهندسة نفسها — صحنٌ مغلق، وواجهاتٌ صمّاء نحو الخارج، وحياةٌ متوجّهة إلى الداخل — تعود إلى الظهور حتى في صقلّية في الباليو، الضيعة المحصَّنة التي ما زالت تنظّم مشهد الجزيرة الريفيّ إلى اليوم. واسمه على الأرجح من النورماندية الفرنسية ballium (فِناء القلعة المحصَّن، الثابت منذ سنة 1194)، وإن رأى فيه رأيٌ أقلّ شيوعاً اقتراضاً من العربية «بَاحَة». والذي يمكن الجزم به أنّ منطق الباليو المعماريّ — وهو منطق الصحن الريفيّ الرومانيّ نفسه — يلتقي، بطرقٍ متمايزة لا باقتراضٍ مباشر، منطقَ الصحن الأندلسيّ والمغاربيّ: صحنٌ يُغلَق على العالم ليُسكَن أحسن.

ما هو صحن الدار الفاسية

صحن الدار الفاسية — وسط الدار — هو الغرفة التي منها تأخذ سائرُ الغرف ضوءها وهواءها. ولا يُدخَل إليه من الطريق مباشرةً، بل من دهليزٍ منعطف، هو الدريبة، يمنع النظر أن يدخل مع البدن. والغرف تنفتح عليه ولا تنفتح على غيره؛ وأمّا نحو الزقاق فالجدران صمّاء.

وتدور به السقائف، في طبقةٍ أو طبقتين، محمولةً على أعمدة. تحفظ الأبواب والنوافذ من الشمس، وتعطي طريقاً مسقوفاً من طرف الدار إلى طرفها. والأرض رخامٌ أو زليج، بميلٍ خفيف إلى بالوعةٍ في الوسط، لأنّ صحن الدار المغربية يُغسَل بالماء الكثير. وعلى محوره ينفتح البهو، الإيوان المعقود بلا باب: لا داخلٌ ولا خارج، وهو الموضع الذي يُجلَس فيه إذا طاب اليوم.

يُصعَد فيها ويُنزَل

الدار ذات الصحن لا تُسكَن على وجهٍ واحد طول السنة، إذ يُنتقَل فيها مع الفصل. ففي الصيف تنزل الحياة — الطابق الأرضي، والسقائف، وظلّ الصحن في الساعات الشديدة. وفي الشتاء تصعد تطلب الشمس: السقيفة العليا، ثم المنزه، غرفةُ الطابق الأخير المفتوحة على المنظر، ثم السطح، الستيحة، أعلى نقطة في الدار، حيث يجفّ الغسيل وتُرى المدينة العتيقة حتى التلال.

وهذا الانتقال البطيء هو السبب في أنّ مثل هذه الدار لا تحتاج أن تُضاعف غرفها، فكلّ طابقٍ يليق بفصلٍ مختلف. وهو يفسّر أيضاً لماذا لا يُؤثَّث الصحن تأثيث المجلس. فما يُوضَع فيه ينبغي أن يقدر على الخروج منه.

قطعة السماء الوحيدة

دار المدينة العتيقة مغلقةٌ من كلّ جهة: والصحن، لمن يعيش في داخلها، قطعةُ السماء الوحيدة. تُقرأ فيه الساعة بغير ساعة، بمسير الظلّ على الجدران، وتجد فيه الصلواتُ الخمس حدودها الطبيعية — فالضوء المتبدّل في جبّ الصحن يقول الوقت أحسن من مِزوَلة.

فسقيّةٌ، وبيتٌ منقوشٌ في الحجر

ولم يُنشَد هذا اللقاءُ بين الماء والحجر في موضعٍ بأدقّ ممّا أُنشِد في حمراء غرناطة، حيث نقش الشاعر الوزير ابن زمرك أبياته على حافة فسقيّة صحن الأسود:

تَشَابَهَ جَارٍ لِلْعُيُونِ بِجَامِدٍ فَلَمْ نَدْرِ أَيًّا مِنْهُمَا كَانَ جَارِيَا

— ابن زمرك، شاعر غرناطة ووزيرها (1333–1393)

وما يصفه البيت — ماءٌ من سكونه كأنه حجر، وحجرٌ من صقاله كأنه يجري — هو تجربة من يجلس أمام فسقيّة الصحن بعينها: لحظةٌ لا يعود فيها البصر يفرّق بين ما يجري وما هو جامد.

ويعود الصحنُ وفسقيّتُه في صفحة «الماء»، حيث يُقال كيف تعدّ الدار الماء الذي تُظهره.

وما يصفه بيتُ ابن زمرك على قدر فسقيّة، يعيشه الرياض على قدر عمر. فيصير الصحن قلبَ التكوين النابض: والفتيان الذين يكبرون فيه لا يتعلّمون حرفةً أو حركةً فحسب، بل يتعلّمون أن يعرفوا، في نظام الموضع، نظامَ الخالق نفسه — القوّةَ يعدّلها المقدار، والهوى يؤدّبه الإيقاع، والسماءَ تُعرَف حتى في انعكاس حوض. فالصحن، على قامة الإنسان، عالمُه الصغير المسكون، أكثر منه صورةً للكون.

ألفاظ هذه الصفحة في المعجم المشترك؛ والأعمال المذكورة في المصادر؛ والدار الأخت هي الفندق الصقلي.

مراسلة

قد تبدأ المحادثة من هنا.

راسلنا